السيد محمد حسين فضل الله

48

من وحي القرآن

من النماذج القلقة في خط الانحراف وهذا نموذج آخر من نماذج الناس الذين يستغرقون في المال الذي يملكونه ، فينسيهم ذلك المعاني الإنسانية والمنطلقات الروحية التي تربط الإنسان بالجانب الخيّر من الحياة ، ويدفعهم إلى المزيد من الطغيان المادي والبخل الذاتي ، وإلى الأمل الكبير بالامتداد في ما هم عليه . ولكن اللّه يفاجئهم بالصدمة الكبيرة التي تقضي على كل الأمل من خلال القضاء على كل ما لديهم من مال ، فتدفعهم الصدمة إلى التفكير بطريقة أخرى بعد فوات الأوان . إِنَّا بَلَوْناهُمْ أي هؤلاء الذين وصفهم اللّه بالصفات الشريرة التي كانت تطبع كل شخصياتهم المنحرفة ، فقد كان المال الذي أعطاهم اللّه إيّاه اختبارا لهم ، كيف يتعاملون معه ، وهل أن المال يلغي إنسانيتهم بزخارفه وإيحاءاته المغرية ، أو أن الإنسانية المنطلقة من موقع القيم الروحية المنفتحة على اللّه من جهة وعلى الإنسان المحروم من جهة أخرى ، هي التي تنتصر على إغراءات المال وتهاويله . وقد سقطوا في هذا الاختبار ، فتغلّب عنصر المال لديهم على عنصر الإنسان في داخلهم ، كما سقط غيرهم في ذلك ، كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ التي كانوا يملكونها ويعتزون بها ويعتبرونها الأساس في إغناء حاجاتهم الحياتية وفي تلبية أوضاعهم الاجتماعية ، ولذلك كانوا يتعهدونها بكل الوسائل التي تتوفر لديهم في المحافظة عليها من كل سوء ، كما كانوا يبادرون إلى قطف ثمارها عند نضوجها بحيث لا يفوتهم شيء منها ، ولا يسمحون لأيّ شخص من الانتفاع بها ، وهكذا رأيناهم في هذه الصورة القرآنية إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أي ليقطعنّ ثمارها في بدايات الصباح قبل أن يراهم أحد . وَلا يَسْتَثْنُونَ في ما قد يحدث من بعض الطوارئ التي تمنعهم من